صديق الحسيني القنوجي البخاري

261

فتح البيان في مقاصد القرآن

الآيات والأخبار كثيرة في أنه بقي منهما أشياء كثيرة لم تبدل ، منها آية الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ، وقصة رجم اليهوديين ، وقيل التبديل وقع في اليسير منهما ، وقيل وقع في المعاني لا في الألفاظ ، وفيه نظر فقد وجد في الكتابين ما لا يجوز أن يكون بهذه الألفاظ من عند اللّه أصلا ، وقد نقل بعضهم الإجماع على أنه لا يجوز الاشتغال بالتوراة والإنجيل ولا كتابتهما ولا نظرهما . وعند أحمد والبزار واللفظ له من حديث جابر قال : نسخ عمر كتابا من التوراة بالعربية فجاء به إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فجعل يقرأ ووجه النبي صلى اللّه عليه وسلم يتغير فقال له رجل من الأنصار : ويحك يا ابن الخطاب ألا ترى وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فأنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، وأنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل ، واللّه لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا اتباعي » « 1 » ، وروي في ذلك أحاديث أخر كلها ضعيف لكن مجموعها يقتضي أن لها أصلا . قال الحافظ ابن حجر في الفتح ، ومنه لخصت ما ذكرته : والذي يظهر أن كراهة ذلك للتنزيه لا للتحريم . والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويصر من الراسخين في الإيمان فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك بخلاف الراسخ فيه ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف ، ويدل له نقل الأئمة قديما وحديثا من التوراة وإلزامهم التصديق بمحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم بما يستخرجونه من كتابهم . وأما الاستدلال للتحريم بما ورد من غضبه صلى اللّه عليه وسلم فمردود بأنه قد يغضب من فعل المكروه ومن فعل ما هو خلاف الأولى إذا صدر ممن لا يليق به ذلك كغضبه من تطويل معاذ الصلاة بالقراءة انتهى . أقول : وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في سورة النساء بأطول من ذلك ، وقد قال جماعة من أهل المعرفة بالتحقيق بأن التحريف الواقع في التوراة معنوي لا لفظي وإليه ذهب حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس ، والشيخ ولي اللّه المحدث الدهلوي في الفوز الكبير وغيرهما واللّه سبحانه أعلم . مِنْ بَعْدِ كونه موضوعا في مَواضِعِهِ أو من بعد وضعه في مواضعه التي وضعه اللّه فيها من حيث لفظه أو من حيث معناه . أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد اللّه بن عمر أن اليهود جاؤوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما تجدون في

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 228 .